أحمد بن علي القلقشندي
215
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فمن المبالغة في الشعر المنتهية إلى حدّ الكذب قول ( 1 ) البحتري : ولو قست يوما حجلها بحقابها لكانا سواء لا بل الحجل أوسع ( 2 ) وصفها برقّة الخصر وغلظ الساق حتّى جعل حجلها الذي يدور على ساقها أوسع من حقابها الذي يدور على خصرها ؛ وأبلغ منه قول الآخر ( 3 ) : من الهيف لو أنّ الخلاخيل ( 4 ) صيّرت لها وشحا جالت عليها الخلاخل فجعل الخلخال يجول في بدنها ، ولكنه ليس من المدح في شيء لأن الخلخال لو صار وشاحا للمرأة لكانت في غاية الدّمامة حتّى تصير في خلقة الجرو ( 5 ) والهرّ . وأبلغ منه قول الآخر : ورحب صدر لو انّ الأرض واسعة كوسعه لم يضق عن أهله بلد فجعل صدره في السّعة والرّحب أوسع من الأرض ، ونحوه قول الآخر ( 6 ) : ويوم كطول الدّهر في عرض مثله ووجدي من هذا وهاذاك أطول إلا أنه استعمل العرض في غير موضعه ؛ إذ الدهر يوصف بالطول لا بالعرض ، وهو قد جعل له طولا وعرضا ؛ ويقرب منه قول أبي الطَّيّب : كفى بجسمي نحولا أنّني رجل لولا مخاطبتي إيّاك لم أبن ( 7 )
--> ( 1 ) نسب أبو هلال العسكري هذا البيت إلى النمّري . ( 2 ) الحجل ، بفتح الحاء وكسرها ، هو الخلخال . والحقاب : شيء تعلق به المرأة الحلي وتشده في وسطها . ( 3 ) القائل أبو تمام . ( 4 ) في « الصناعتين » : 126 : « الخلاخل » . ( 5 ) الجر وهو ولد الكلب والسباع . ( 6 ) البيت لأبي تمام ( كتاب الصناعتين : 133 ) . ( 7 ) المشهور في الرواية : « لم ترني » .